أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

118

التوحيد

مسألة في صفة أقاويل الثنوية أقاويل المنانية « 1 » وبيان فسادها قال الشيخ رحمه اللّه : زعمت المنانية أن الأشياء على ما عليه من امتزاج النور والظّلمة ، وكانا متباينين : النور في العلوّ لا يتناهى في أربع جهات شمال وجنوب وصبا ودبور ، والظلمة في السفل كذلك ، ولها من جهة الالتقاء تناه ، قبعت الظلمة على النور فامتزجا ، فكان العالم من امتزاجهما على قدر الامتزاج ، ولكل واحد منهما خمسة أجناس : حمرة وبياض وصفرة وسواد وخضرة ، فكل شيء مما جاء من هذا الجنس من جوهر النور فهو خير ، وما كان من جوهر الظلمة فهو شر . وكذلك لكل واحد منهما حواس خمس : سمع وبصر وذوق « 2 » وحاسة الشم واللمس ، فما أدرك جوهر النور بها فهو خير ، وما أدرك جوهر الظلمة فهو شر . وللنور روح وللظلمة روح ، وروح الظلمة يسمى همامة ، وهي حيّة ، فغلب العالم ليحبس النور فيها ، والنور ليس بحساس ، وما كان منه يكون بالطبع ويكون خيرا كله ، والهامة حسّاسة ، وسيصير كل واحد منهما إلى حيزه . ثم وجد أعلى الأشياء أصفاها ، وأسفلها أكدرها ، ومن طبعهما الخفة والثقل ، وأمرهما على التنافر ؛ إذ الخفيف يعلو صعدا والثقيل ينحدر سفلا ، فيمرّ الدهر ، إذ كانا كذلك يتخلصان من وجه التناهي كما امتزجا . قال الشيخ رحمه اللّه : ومن تأمل القول وجده كله متناقضا ، من غير أن يحتاج إلى تكلف الدلالة على إبطال القول سوى تفسيره . أول شيء به أنه أراك النهاية من الوجوه وأثبتها من وجه ، فجعل المتناهي غير المتناهي ، إذ النهاية حد ، والحد قصر عما هو أعظم منه ، وذلك تدبير غيره فيه ، وهو دليل حدث جانب منه ، وذلك جزء ، وبعيد كون كلية الأجزاء المتناهية غير متناهية ، لأن ذلك المعنى يتمكن في كل جزء منها يتصل ، على أن كل واحد منهما في الوجوه التي لا تتناهى إما أن يكون الآخر فيها فيبطل قوله : امتزجا من جانب ، بل كانا إلا من جانب ثم امتزجا ، وإن لم يكن زال كل واحد منهما عن الأوجه الأربعة التي هي للآخر ، فصار من تلك الوجوه متناهيا ، واللّه الموفق .

--> ( 1 ) سبقت الإشارة إلى المنانية . ( 2 ) وفي نسخة [ ذائق ] بدل [ ذوق ] .